فخر الدين الرازي

147

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

قالوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة الممطرة والليلة الشاتية . ثم قال تعالى : وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ والمعنى : أن اللّه تعالى أطلع الرسول على أنهم حلفوا كاذبين . واعلم أن قوله : وَالَّذِينَ محله الرفع على الابتداء وخبره محذوف ، أي وممن ذكرنا الذين . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 108 إلى 110 ] لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ( 108 ) أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 109 ) لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 110 ) [ في قوله تعالى لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ ] قال المفسرون : إن المنافقين لما بنوا ذلك المسجد لتلك الأغراض الفاسدة عند ذهاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى غزوة تبوك ، قالوا : يا رسول اللّه بنينا مسجدا لذي العلة والليلة الممطرة والشاتية ، ونحن نحب أن تصلي لنا فيه وتدعو لنا بالبركة . فقال عليه السلام : إني على جناح سفر وإذا قدمنا إن شاء اللّه صلينا فيه ، فلما رجع من غزوة تبوك سألوه إتيان المسجد فنزلت هذه الآية ، فدعا بعض القوم وقال : انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله ، فاهدموه وخربوه ، ففعلوا ذلك وأمر أن يتخذ مكانه كناسة يلقي فيها الجيف والقمامة . و قال الحسن : هم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يذهب إلى ذلك المسجد فنادى جبريل عليه السلام لا تقم فيه أبدا . إذا عرفت هذا فنقول : قوله : لا تَقُمْ فِيهِ نهي له عليه السلام عن أن يقوم فيه . قال ابن جريح : فرغوا من إتمام ذلك المسجد يوم الجمعة ، فصلوا فيه ذلك اليوم ويوم السبت والأحد ، وانهار في يوم الاثنين . ثم إنه تعالى بين العلة في هذا النهي ، وهي أن أحد المسجدين لما كان مبنيا على التقوى من أول يوم ، وكانت الصلاة في مسجد آخر تمنع من الصلاة في مسجد التقوى ، كان من المعلوم بالضرورة أن يمنع من الصلاة في المسجد الثاني . فإن قيل : كون أحد المسجدين أفضل لا يوجب المنع من إقامة الصلاة في المسجد الثاني . قلنا : التعليل وقع بمجموع الأمرين ، أعني كون مسجد الضرار سببا للمفاسد الأربعة المذكورة ، ومسجد التقوى مشتملا على الخيرات الكثيرة . ومن الروافض من يقول : بين اللّه تعالى أن المسجد الذي بني من أول الأمر على التقوى أحق بالقيام فيه من المسجد الذي لا يكون كذلك . وثبت أن عليا ما كفر باللّه طرفة عين ، فوجب أن يكون أولى بالقيام بالإمامة ممن كفر باللّه في أول أمره . وجوابنا أن التعليل وقع بمجموع الأمور المذكورة ، فزال هذا السؤال . واختلفوا في أن مسجد التقوى ما هو ؟ قيل : إنه مسجد قباء ، وكان عليه السلام يأتيه في كل سنة فيصلي فيه ، والأكثرون أنه مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقال سعيد بن المسيب : المسجد الذي أسس على التقوى مسجد الرسول عليه السلام ، وذكر أن الرجلين اختلفا فيه ، فقال أحدهما : مسجد الرسول ، وقال آخر : قباء . فسألاه عليه السلام فقال هو مسجدي هذا . وقال القاضي : لا يمنع دخولهما جميعا تحت هذا